الشيخ محمد آصف المحسني

277

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

مجال له أبدا من جهة الحكمة النظرية وأحكام العقل العلمية . نعم يمكن أن يقرّر الاستدلال من وجهة الحكمة العملية فيقال : الواجب وان كان مختارا غير أن إهمال الأصلح أو الصالح قبيح منه ، وهو لحكمته البالغة لا يفعله وان كان قادرا عليه ، بل مرّ أن صدور الأكمل أو الكامل لازم عنه ، فهذا السؤال له وجه ولا يدفعه الوجوه المتقدّمة كما هو مسلم عند من انصف من نفسه . ولكن هؤلاء القوم لو تركوا العصبية والعناد ، وامتنعوا من السب والطعن ، وأسكتوا غضبهم لنجيبهم بأنّ قدم الممكن ممتنع ، والممتنع المحال لا يعقل صدوره عن الواجب ؛ إذ لا قابلية له لتعلّق القدرة الكاملة العميمة الواجبة به فأين ترك الجود وامساك الفيض ؟ وأين البخل ؟ ومع الغض عما قلناه آنفا أين تخلّف المعلول عن العلّة ؟ فإن الشيء إذا كان ممتنع الوجود لا يصير معلولا ابدا ، وهذا ظاهر . وأما توضيح الجواب فسيمرّ عليك إن شاء اللّه ، فانتظر وهذا الجواب يكفي لإبطال جميع الوجوه المستدلّ بها على قدم العالم . أدلّة حدوث العالم أكثر المتكلّمون دلائلهم على حدوث ما سوى اللّه ، وقد نقل أكثرها صاحب الأسفار في آخر إلهيات كتابه الأسفار ، وأجاب عنه حسب ما اقتضى تفكيره الفلسفي ، وها هنا وجوه أخر نذكرها نحن مع وجه واحد من تلك الدلائل ، فمنها ما في المواقف وغيرها « 1 » من أن العالم فعل الفاعل المختار ، والقديم لا يستند إلى المختار كما مر ، فينتج من الشكل الثاني أن العالم ليس بقديم . أقول : الصغرى برهانية عندنا كما دريت في مبحث الاختيار ، وأما الكبرى فهي مسلّمة بين المتكلّمين والفلاسفة فان القصد لا يتعلّق إلا بالمعدوم بالضرورة ، لكن قد عرفت أن ما استدلّ لتصحيحها غير تمام وسيأتي ما يتعلق به . ومنها : ما دلّ على استحالة مطلق ما لا نهاية له في جانب الماضي من برهان التطبيق وغيره ، لكننا أشرنا فيما مضى إلى أنه عندي غير تمام . ومنها : ما ذكره العلّامة المجلسي قدّس سرّه « 2 » من أن الجعل لا يتصوّر في لقديم ؛ لأن تأثير العلّة إما إفاضة أصل الوجود ، وإما إفادة بقاء الوجود واستمرار الجعل الأول ، والأول هي العلّة الموجدة والثاني هي المبقية ، والموجود الدائمي محال أن تكون له علّة موجودة كما تحكم به

--> ( 1 ) شرح المواقف 2 / 494 . ( 2 ) السماء والعالم / 52 .